أحمد بن علي القلقشندي
46
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
إلى حدود القواطع القويّة والأشعّة المرّيخيّة نصير دليله ، فشفى اللَّه منه داء ، وأخذه أشدّ ما كان اعتدادا واعتداء ، وحمى الجزيرة الغربية ( 1 ) وقد صارت نهبة طغاته ، وأشرقه بريقه وهي مضغة في لهواته ؛ سبحانه لا مبدّل لكلماته . فانتثر سلكه الذي نظَّمه ، واختلّ تدبيره الذي أحكمه ، ونطقت بتبار ( 2 ) محلَّاته ألسنة النار ، وعاجلت انتظامها أيدي الانتثار ، وركدت ريحه الزّعزع من بعد الإعصار ، وأصبح من استظهر به من الأشياع والأنصار * ( يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأَبْصارِ ) * ( 3 ) وولَّوا به يحثون التّراب فوق المفارق والتّرائب ( 4 ) ، ويخلطون تبر السّبال الصّهب ( 5 ) بذوب الذّوائب ، قد لبسوا المسوح ( 6 ) حزنا ، وأرسلوا الدموع مزنا ، وشقّوا جيوبهم أسفا ، وأضرموا قلوبهم تلهّفا ، ورأوا أنّ حصن استطبونة ( 7 ) لا يتأتّى لهم به امتناع ، ولا يمكنهم لمن يرومه من المسلمين دفاع ، فأخلوه من سكَّانه ، وعاد فيه الإسلام إلى مكانه ، وهو ما هو من طيب البقعة ، وانفساح الرّقعة ؛ ولو تمسّك به العدوّ لكان ذلك الوطن بسوء جواره مكدودا ، والمسلك إلى الجبل - عصمه اللَّه - مسدودا ، فكان الصنيع فيه طرازا على عاتق تلك الحلَّة الضافية ، ومزيدا لحسنى العارفة الوافية ، فلمّا استجلينا غرّة هذا الفتح الهنيّ ، والمنح السّنيّ ، قابلناه بشكر اللَّه تعالى وحمده ، وضرعنا إليه في صلة نعمه فلا نعمة إلا من عنده ؛ وعلمنا أنه عنوان على مزيد ملككم الأعلى وعلامة على سعده ، وأثر نيّته للإسلام وحسن قصده ، وفخر ذخره
--> ( 1 ) المقصود : الجزيرة الخضراء . انظر الحاشية - 3 . ص : 42 . ( 2 ) تبر تبرأ وتبارا : هلك ، والتّبار : الهلاك . ( 3 ) الحشر / 2 . ( 4 ) الترائب : عظام الصدر مما يلي الترقوتين . ( 5 ) يقال : هم صهب السّبال أي أعداء . ( 6 ) المسوح : ثياب الرهبان ، وتكون عادة سوداء . ونرجح أن لبسهم المسوح كان دلالة على الدوافع الدينية لديهم أكثر مما هو دليل حزن كما ذهب واضع الرسالة . ( 7 ) في حاشية الصفحة 43 من الطبعة الأميرية : « أستبونة » عن الريحانة . والصواب : اسطبونه Estepona ولعل التاء زائدة من قلم الناسخ . ( انظر الحاشية 3 ص 42 من هذا الجزء ) .